الرئيسية / مقالات عربيه وعالميه / محمد فودة: القاتل الخفى «فيسبوك» والجرائم الأسرية
الكاتب محمد فوده

محمد فودة: القاتل الخفى «فيسبوك» والجرائم الأسرية

كنت وما زلت على قناعة تامة بأن «حرية التعبير» مسألة مصيرية لتستقيم الأمور فى المجتمع، ولكن أن تتحول تلك الحرية إلى حالة من الانفلات وعدم الإحساس بالمسئولية فهو شىء لا يمكن بأى حال من الأحوال السكوت عنه أو المرور أمامه مرور الكرام، فما يحدث الآن عبر السوشيال ميديا تحوّل بالفعل إلى خطر حقيقى يهدد أمن واستقرار الدولة المصرية، لأنه ببساطة شديدة يضرب المبادئ الراسخة فى مقتل، بل أصبح لديه القدرة على أن يحول حياة الأبرياء إلى حجيم لا يطاق، فما تطالعنا به وسائل الإعلام بشكل شبه يومى عن حوادث غريبة وعجيبة وبعيدة كل البعد عن أخلاقيات المجتمع المصرى خير دليل على ما أقول، وهى فى حقيقة الأمر تمثل انعكاسًا طبيعيًا لحالة الانفلات التى تتسم بها مواقع التواصل الاجتماعى وفى مقدمتها بالطبع «فيسبوك»، الذى أراه بمثابة مأساة حقيقية لا يمكن بأى حال من الأحوال السكوت عنها، لأن ما تتداوله تلك المواقع شىء يدعو للدهشة ويبعث فى النفس الشعور بالانزعاج الشديد، لأنه فى حقيقة الأمر ترمومتر يشير إلى تغيير جذرى حدث خلال السنوات الأخيرة فى سلوكيات وأخلاقيات المواطن المصرى.

كنا حينما نسمع أو نقرأ عن حادثة غير مألوفة مثل قيام أب بقتل أولاده أو زوجة تتخلص من زوجها حتى تهنأ بحياتها مع عشيقها.. كنا فى هذه الحالات ينتابنا شعور جارف بالاشمئزاز، ونرى المجتمع ككل وهو يعيش حالة من الضيق والضجر لأن تلك النوعية من الحوادث لا تتسق مع ما تربينا عليه من قيم وأخلاقيات كانت دائمًا تُعلى من شأن الترابط الأسرى، وتتمسك بمبادئ راسخة تضع فى أولويات اهتماماتنا الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة، مع عدم التفريط فى قيمنا وتقاليدنا الأصيلة.

الأمر الذى يجعلنى أتوقف طويلًا أمام تلك النوعية التى انتشرت مؤخرًا من حوادث غريبة وصادمة، وأتساءل عن الأسباب التى تقف وراء هذا التحول الجذرى فى سلوكيات الناس، لأننى على يقين من أن ما يشهده المجتمع الآن ما هو إلا جزء من حملة ممنهجة وخطة جهنمية خبيثة تستهدف ضرب الترابط المجتمعى الذى كان يميزنا عن سائر شعوب العالم، فالحرب التى نتعرض لها الآن كلنا على يقين تام من أن جهات معروفة وواضحة للجميع وضوح الشمس تقف خلفها وتحركها خاصة تلك الجهات التى تحاول بشتى الطرق تشويه صورتنا داخليًا وخارجيًا، وذلك لسبب بسيط وهو أن مصر كانت ولا تزال وستظل مستهدفة من جانب قوى الشر التى لا تريد لنا أن نحقق أى نوع من الاستقرار، ولا تريد لنا أى خير لأنها تؤمن تمام اليقين بأن استقرار مصر وتماسك شعبها هو العقبة التى تقف فى طريقهم نحو الاستحواذ على المنطقة بالكامل.

وحينما ندقق النظر فى الأدوات التى تستخدمها قوى الشر من أجل ضرب المجتمع المصرى فى مقتل فإننا نجد أن السوشيال ميديا أو مواقع التواصل الاجتماعى تأتى فى صدارة تلك الأدوات المسمومة، وعلى وجه الخصوص موقع «فيسبوك» الذى تحول وبشكل علنى إلى منصة لا أخلاقية تنطلق منها كل أشكال الموبقات، وتفوح منها رائحة الغدر والخسة والخيانة.. بل إن «فيسبوك» قد تحول بقدرة قادر من موقع للتواصل الاجتماعى إلى موقع للتشتت الاجتماعى ولبث الشائعات والترويج للفتنة وخراب البيوت وتشويه سمعة الشرفاء والتقليل من حجم الإنجازات التى تقوم بها الدولة فى مختلف المجالات وعلى كل الأصعدة.
حتى رئيس الجمهورية الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصيًا لم يسلم من تلك الآفة التى ابتلينا بها، والتى هبطت فوق رءوسنا فى إطار ما يطلقون عليه حرية التعبير، فأى حرية تلك التى تكون وسيلة من أجل الإساءة إلى رئيس الدولة، وأى مجتمع هذا الذى يسمح بوجود مثل تلك التفاهات التى تصل إلى حد «السفالة» والانحطاط الأخلاقى، وأنا على يقين من أن ما يتعرض له الزعيم والقائد الرئيس عبدالفتاح السيسى لا يمكن أن يكون قد تم بشكل عفوى، فأنا على يقين من أنه يتم بشكل احترافى وبشكل منظم وممنهج ويقوم به أنصار الجماعة المحظورة التى تضمر له ولكل مواطن شريف على أرض مصر كل شر، لأن الرئيس السيسى كان سببًا فى إفشال المخطط الجهنمى لتلك الجماعة الإرهابية، وأفسد ما كانت تسعى له وهو فرض سيطرتها على كل مفاصل الدولة.. وفى هذا الصدد فإنه فى تقديرى أن ما قام به الرئيس السيسى أثناء الإعداد لثورة ٣٠ يونيو العظيمة لا يقل أهمية عن ذلك القرار الشجاع المتعلق بخوض حرب أكتوبر التى أعادت الاعتبار لمصر فى جميع أنحاء العالم، وهو ما حدث بالفعل حينما حمل على عاتقة مهمة إنقاذ مصر، وخرج ليحمى بلدًا كبيرًا فى حجم ومكانة مصر، ووقف خلف شعب عظيم وثق فيه ومنحه تفويضًا مفتوحًا لمحاربة التطرف والتصدى لتلك الجماعة الإرهابية.
لعن الله هذه الأكاذيب التى يرددها أنصار تلك الجماعة الإرهابية، فهذه الأكاذيب أعطت البعض الحق فى تناول كل شىء وأى شىء بحرية مطلقة، علمًا بأن هناك فارقًا كبيرًا بين ما يتم تداوله عبر السوشيال ميديا وبين المعنى النبيل لحرية التعبير، فما نراه الآن هو انحرف عن مساره الحقيقى، وتحول إلى ما يشبه قلة الأدب والتجاوز فى حق الشرفاء، والتطاول على أصحاب القامات، الأمر الذى يدفعنى للمطالبة بضرورة أن تضطلع الأجهزة المعنية بدورها فى هذا الشأن، وأن تضع حدًا وبشكل عاجل لما تعج به صفحات مواقع التواصل الاجتماعى «الفيسبوك» من بث شائعات ونشر لأخبار كاذبة والترويج لقصص وروايات غريبة وعجيبة ومفبركة، ولا تمت للواقع بأى صلة، وبعيدة كل البعد عن العقل والمنطق.. وهو ما يستوجب أيضًا ضرورة قيام الدولة بتفعيل القانون الذى ينظم التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعى، وأن تكون هناك عقوبات محددة وصارمة ضد كل من تسول له نفسه استخدام فيسبوك فى القيام بارتكاب جرائم بشعة ضد المجتمع ككل، وهى تلك الجرائم الإلكترونية التى أصبح يعاقب عليها القانون، والتى فى حالة تفعيل القانون فإنه سيم وقف ومنع ما يتم تداوله بشكل شبه يومى، خاصة أن تلك الأكاذيب تستهدف فى المقام الأول ضرب المجتمع المصرى فى أهم شىء كان يميزه ألا وهو الترابط والتواد والتمسك بالقيم والمبادئ والعادات والتقاليد، وفوق كل هذا وذاك فإنها قادرة على تغيير النمط العام للحياة بصفة عامة.

وحينما أتناول خطورة مواقع التواصل الاجتماعى هناك مسألة مهمة أود الإشارة إليها وهى أن مواقع التواصل الاجتماعى لا تمثل الشر على طول الخط، خاصة أنها كانت فى بداية الأمر تمثل جانبًا مهمًا فى الحياة قبل أن تنحرف عن مسارها الطبيعى، فمن المهم أن يقوم الإنسان بإقامة علاقات اجتماعية مع الآخرين، فيتعرف عليهم ويشاركهم تفاصيل يومه وأحلامه وأعماله وطموحاته، ويتقاسم معهم الهموم والآلام، وتدريجيًا تتكون علاقات اجتماعية بين الأشخاص يحدد مدى قوتها أو ضعفها طبيعة شخصية الطرفين، وأصبح العصر الحالى يسمى بعصر التواصل الاجتماعى بامتياز، خاصة أن التواصل الاجتماعى أصبح يقوى شخصية الفرد الذى تجعله يتقن التحدث بتواتر أفكار وترتيب عبارات وجمل موزونة ومضبوطة، مما يجعله أكثر قدرة على بناء العلاقات مع كل من حوله، سواء أكانوا من العمل أو الجامعة أو المرحلة الدراسية. كما أنه فى التعرف على الآخرين انفتاح جيد على مختلف الثقافات والعادات، والتزود بالمزيد من المعلومات من الغير، كما أفاد علماء الاجتماع والأطباء النفسيون بأن الأشخاص الذين يحسنون إقامة العلاقات مع الآخرين أكثر مرحًا وأكثر صحة فى الجسم، على عكس الأشخاص الانطوائيين الذين يتميزون بالجفاء والحزن وعدم المقدرة على التمتع بما يحدث لهم ومعهم.. وعلى الرغم من كل ذلك فقد أساء البعض استخدام مواقع التواصل الاجتماعى وحولوها إلى مواقع للتخريب وإفساد المجتمع وتحولت مؤخرًا إلى ما يشبه ساحات القتال التى حينما تندلع فيها الحروب يصعب تحديد من يكون الجانى أو من هو المجنى عليه.
واللافت للنظر أن أهم سلاح أصبحت تركز عليه قوى الشر فى حربها ضد المجتمع والعبث به وإفساده من خلال «فيسبوك»، هو سلاح تفكيك الأسرة وتفريغها من مضمونها الحقيقى، وجعلها مجرد اسم ليس على مسمى، وهذا هو للأسف الشديد ما حدث بالفعل وأصبحنا نلمسه فى هذا الكم الهائل من تلك النوعية من الحوادث الغريبة التى أصبحت معتادة فى المجتمع، خاصة بعد أن تحول أفراد الأسرة إلى ما يشبه الجزر المنعزلة، وأصبحت العلاقة بين الزوج والزوجة تفتقد لأجمل شىء فى الوجود وهو «المودة والرحمة»، كما أصبحت العلاقة التى تربط بين الأبناء والآباء تفتقد لأنبل صفاتها حيث أصبحت تتسم بالعقوق والحجود ونكران الجميل.
إننا نواجه الآن أخطر وأشرس وأعنف حروب يتعرض لها المجتمع المصرى على مر العصور، ألا وهى حروب الجيل الرابع، تلك النوعية من الحروب التى تستخدم فيها مفردات وأساليب تفوق الأسلحة الفتاكة، فهى قادرة على التوغل والتغلغل داخل أفراد المجتمع بسهولة ويسر، حيث تستخدم فيها أدوات ومفردات يتم الإعداد لها بذكاء شديد وتتسم بالقدرة الفائقة على تزييف الحقاق وقلب المعايير والخلط بين الأشياء، فترى الكذب صدقًا والصدق كذبًا وتتوه المعانى النبيلة وتتحول المسألة إلى نوع من الفوضى التى تفرز مناخًا مريبًا يعتمد على الشائعات والترويج للأكاذيب التى لم ولن نجنى من ورائها سوى المزيد من التفكك الأسرى.
وحينما أتحدث عن التفكك الاسرى فإننى أنطلق من نقطة ارتكاز أساسية فى هذا الشأن تتعلق بأن جميع الأديان السماوية اهتمت بضرورة الترابط الأسرى لأن ترابط المجتمع وصلاحه أساسُه ترابط الأسرة، فإن لم تكن الأسرة مترابطة أصيب المجتمع بخلل شديد، كما ينبغى علينا أن ندرك أيضًا أن الأسرة هى صلب المجتمع فى الوقت الحاضر، ولا يكون المجتمع قويًّا إلا إذا أحسن إدارة الأسرة، فإذا لم نحسن إدارة الأسرة إدارة رشيدة فسنكون أمام مأزق وكارثة فيما بعد، ليس على المستوى الأسرى فحسب، بل على مستوى المجتمع، حيث إن المجتمع يتكوَّن من مجموعة من الأُسَرِ، لذا فقد قال علماء الاجتماع إن المجتمع عبارة عن فردٍ مكرَّرٍ، ومن ثم تُشكِّل الأسرة الوحدةَ المحوريةَ فى بناء هذا المجتمع، فهى الأساسُ فى استمراره فى الوجود مما يستوجب ضرورة حماية الأسرة، وهذه الحماية تحتاج إلى مجموعة من الإجراءات الطويلة كالحاجة إلى تثقيف المجتمع، وأن يكون الفضل هو المعيار والضابطَ فى التعاملات اليومية بين الناس.. وعلينا أن نتأكد من أن كثرة النزاع والمشكلات الأسرية لم تأت من فراغ، وإنما هى نتيجة غياب تحمل الطرف الآخر والوقوف عند تفاهات الأمور، بل التربص والعناد مع الآخر، وهذا أمر خطير.
والقرآن اهتم بالعلاقات الأسرية فى سور كثيرة وآيات متعددة فضلًا عن الآيات العامة فى الأخلاق والآداب الموجهة لعامة الناس ومن ضمنهم الأزواج، وكذلك فقد روت لنا السنة المطهرة نماذج للحياة الأسرية المستقرة والهادئة، ولم يغب الأمر كذلك عن الفقهاء، فقد اهتموا اهتمامًا بالغًا بتفصيل حقوق وواجبات الزوجين فى كل مراحل العلاقات الزوجية وما قبلها وما بعدها، ما يدل على عناية الشرع واهتمامه بذلك.
وأعود إلى مواقع التواصل الاجتماعى لأوضح مسألة فى غاية الأهمية، وهى إننى حينما طالبت بضرورة إيجاد حلول وضوابط من شأنها فرملة هذا الانفلات الذى أصبحت عليه مواقع التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية غير المنضبطة، فإننى لم أتجن على أحد، بل أننى أستند فى هذا الرأى إلى ما جاء فى الدستور، حيث تنص المادة ٣١ من الدستور على أن أمن الفضاء المعلوماتى جزء أساسى من منظومة الاقتصاد، والأمن القومى، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه على النحو الذى ينظمه القانون، لذا فقد جاء التشريع الخاص بتنظيم عمل وإدارة شبكات التواصل الاجتماعى حفاظًا على الأمن القومى وحماية قيم وأخلاقيات المجتمع، ومن هنا كانت الحاجة الملحة لإصدار قانون تنظيم وسائل التواصل الاجتماعى،‬ الذى من أبرز بنوده أن يلتزم مقدمو خدمات الإنترنت، والتابعون، بإنشاء شبكات للتواصل الاجتماعى داخل جمهورية مصر العربية، وذلك من خلال الإمكانيات الفنية المتاحة لها، وبالتنسيق مع الجهاز القومى للاتصالات، ولا يتم السماح بإنشاء حسابات على شبكة التواصل الاجتماعى إلا من خلال بطاقة الرقم القومى للمستخدم، على ألا تقل سن المستخدم عن ١٨ عامًا، أما المادة الأهم والأبرز على الإطلاق، فهى التى تتعلق بأنه لجهات التحقيق المختصة متى قامت أدلة على قيام حسابات على شبكة التواصل الاجتماعى أو المواقع بالإضرار بالأمن القومى، أو انتهاك الحرية الحياة الخاصة للمواطنين- أن تأمر بحجبها من خلال العرض على المحكمة المختصة، بينما يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ٥٠ ألف جنيه ولا تتجاوز ١٠٠ ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أنشأ حسابًا وهميًا على شبكة المعلومات أو دخل عمدًا على موقع أو حساب لينتهك حرمة وخصوصية الحياة الخاصة للغير.
أعتقد أنه إذا تمت السيطرة على هذا الانفلات الذى أصبح يسود مواقع التواصل الاجتماعى فإنه من السهولة إعادة الانضباط والهدوء إلى المجتمع المصرى وتعود الأسرة إلى سيرتها الأولى، حيث يسودها الترابط والهدوء والشعور بالمودة والرحمة.

عن على فوده

شاهد أيضاً

حالة من الفرح تجتاز كل التعبيرات الجميله بعد اعلان محمد فوده ترشيحه للانتخابات مرة اخرى

فى لحظات من السكون الشديد الذى اجتاح على قلوب كل المحبين لبلدهم والمؤيدين للكاتب الكبير …

شاركنا برأيك لنستفيد

%d مدونون معجبون بهذه: