الرئيسية / مقالات عربيه وعالميه / مقال بعنوان : الوجه الآخر بقلم : د/ وقاف العياشي

مقال بعنوان : الوجه الآخر بقلم : د/ وقاف العياشي

في الوقت الذي ثارت فيه الشعوب العربية التواقة للحرية في وجه أنظمة فاسدة تحكمها بالحديد والنار, عادت الآمال في انبعاث الأمّة و نهوضها مجدّدا بعد عقود طويلة من سطوة العسكر و المخابرات .
لكن الأمر لم يكن بهده البساطة وتبيّن فيما بعد أنّ الدولة العميقة لا يكفي لإسقاطها تجمهر في ميادين رمزية ولو كان تعداد هذه الجماهير قد بلغ الملايين …. ولا تكفي المسيرات ولا السلاسل البشرية ولا الوقفات الاحتجاجية … بل ولا يكفي النضال السياسي لوحده في إسقاط منظومة فاسدة متجذرة بعمق ممسكة بمفاتيح السلطة.
هذه الدولة العميقة دأبت على مر عقود طويلة و منذ استيلائها على السلطة بالانقلابات و المكائد و القمع على تثبيت أقدامها و غرس جذورها بعمق من خلال منظومة ظلامية كلها فساد يركم بعضه بعضا .
إعلام يزيّف الوعي وعساكر استأسدوا على شعوبهم وفي الحروب نعامة …و حكام لا يقرّرون بل يقرّر لهم ….ودعاة و أدعياء للعلم أفسدوا على الناس دينهم …وفنانون أنشأتهم الدولة التسلطية على عينها .
إنها مزرعة كبيرة بها حظيرة للعسكر.. و حظيرة للعلماء .. و حظيرة للإعلاميين و حظيرة للفنانين . مزرعة أظهرت الوجه الحقيقي لأنظمة صدّعت رؤوسنا بالخطر الخارجي المحدق بالأمة …و بنظرية المؤامرة .. فإذا بالخطر قابع بين أظهرنا .
وأظهرت الوجه الحقيقي للعسكر الذي كنا نراه صمام الأمان و حامي الحمى , فإذا بهذه الجيوش تتخابر مع العدو على حركات المقاومة التي تدافع على شرفنا و كرامتنا
وأظهرت الوجه الحقيقي للإعلام الذي يقلب الحقائق و يلبس الحق بالباطل ويكتم الحق . ويسوق الناس و يحشرهم داخل هذه المزرعة الكبيرة .
والأدهى و الأمــرّ من كل ذلك أنها أظهرت الوجه الحقيقي لدعاة على أبواب جهنم.. أدعياء للعلم يسمـّون استعارة بالعلماء . يدعون الناس إلى طاعة ولي الأمر حتى لو ضرب ظهرك و أخذ مالك .
علماء إذا أرادوا البكاء بكوا و ابكوا و اظهروا الخشوع في صلاة الظهر . كان حريا بهم في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة أن ينصحوا أو يفضحوا هذه العروش المستبدة فإذا بالدولة العميقة تفضحهم و تظهرهم على حقيقتهم .
علماء أحيــوا النعرة الجاهلية لقادة قبائل عربية تسمّى دول مجلس التعاون على الإثم والعدوان . وبالقرآن و السنة والإجماع أفتوا بحصار جاهلي على إخوة لنا في الدين و الدم و في غرة شهر رمضان . ليأتـيهم التذكير بحـرمة هذا الشهر الفضيل من الوزير الألماني !
علماء طالما حشدوا الشباب من كل أصقاع الأرض وزجوا بهم في جبال أفغانستان تحت الرعاية السّامية للولايات المتحدة الأمريكية . وكل ذلك تحت مسمّى الجهاد الإسلامي
إنهم علماء البلاط الذين كانوا أسوأ بطانة تحيط بملوك و رؤساء عبـابيـد .
لقد ظهر الوجه الآخر لهذه الدولة العميقة التي تخوض الشوط الثاني من الثورة المضادّة , فبعد أن قمعت شعوبها التي اختارت بطرق سلمية من يحكمها , هاهي تواصل ثورتها المضادّة ضد دولة مسلمة وقفت مع قضايا الشعوب المظلومة بتغطية إعلامية نزيهة وأجارت الفارين من استبداد هذه الأنظمة في ترابها .
هاهي الدولة العميقة تواصل ثورتها المضادّة على دولة قطر.. هذه الجزيرة الصغيرة بحجمها الكبيرة بطموحاتها ليس بسبب دعم الإرهاب كما تدّعي الدول المقاطعة لها . بل بسبب وجود مؤسسة إعلامية حرة تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي العربي و الإسلامي وحمايته من تظليل الإعلام الرسمي الخامل .
وفي الوقت الذي تمـنّـينا فيه أن تتخذ قبائل مجلس التعاون الخليجي أو جامعة الدول العربية قرارا ما ضد إسرائيل التي تعربد في المنطقة , فإذا بهذه الثلاجات الضخمة تتخذ قرارا عدائيا جاهليا بمقاطعة دولة قطر .. والسبب صرّح به وزير خارجية آل سعود دون خجل عروبي ودون حياء إسلامي ..انه دعم قطر لحركة المقاومة الإسلامية حماس ؟
وهكذا يظهر لنا سرّ القوة التدميرية و الحمم النارية التي قامت إسرائيل بصبها على رؤوس إخواننا في قطاع غزة .. إنها أموال البترودولار الخليجية التي لا تستعمل في تنمية ولا نمو بل تستعمل في تمويل الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية ودعم الانقلابات العسكرية في بلداننا .
هذه الدولة العميقة تخوض معركة الوجود وترى في كرسي الحكم مسالة حياة أو موت وتدعمها في ذلك دول الاستكبار العالمي التي ترى في الديمقراطية حقا خالصا لها و ترفض وصولها لنا لأنها حتما ستـفـضي إلى وصول الحركات الإسلامية للحـكم .. و وصول الإسلاميين للحكم خط احمر حتى لو حكموا أرضا تحت الأنـفـاق .
– في عتمة هذا الحصار المدعوم تصريحا و تلميحا من كافة الأنظمة العربية دون استثناء , يلوح في الأفـق موقف مبدئي حازم من دولة تركيا وهو قرار عاجل و استثـنائي بإقرار البرلمان التركي إنشاء قاعدة عسكرية تركية بقطر و إرسال خمسة آلاف جندي وهو رد حاسم على تمويل الإمارات العربية المتحدة للمحاولة الانقلابية الفاشلة ضد أردوغان في صيف 2016 .
وبهذا يكون لتركيا موضع قدم إلى جانب القواعد الأمريكية بهذه المنطقة .
وهنا تظهر فطنة رجب طيب أردوغان واستفادته من المحاولة الانقلابية الفاشلة ضده.
هذه المحاولة التي استعملت فيها قاعدة إنجرليك العسكرية بتركيا يمكن أن تتكرر باستعمال قاعدة العديد الأمريكية بقطر لانطلاق انقلاب خائن فالخونة لا يخلو منهم زمان و لا مكان .
بعد هذا المخاض الأليم الذي أظهر الوجه الآخر للدولة العميقة بعسكرها وعلمائها وإعلاميـيها وفنانيها و نخب علمانية حاقدة متشددة لو خيّرت بين ديمقراطية ترفع الإسلاميين للحكم او دكتاتورية عسكرية تغلق عليها بيت الطاعة لاختارت الثانية .
لم يبق أمام الشعوب إلا الإصطفاف مع المخلصين من أبناء الوطن الناشئين في وسطه المتألمين لآلامه و الحاملين لآماله .
وليس أمــام دعـــاة التـغيـير إلا مراجعـة الحسابات في العلاقـة مع هــذه الأنـظمة و التعـامل معها بوجه آخر .https://www.facebook.com/layachi.ouakaf.5

عن fouad28

شاركنا برأيك لنستفيد

%d مدونون معجبون بهذه: